×

اضغط هنا إن لم يقم المتصفح بتحويلك آليًا.
×

المرضي يرصد يوميات فلاح في حراسة مزارع الذرة قديماً في الباحة وعسير

ضمنها أهازيج ومصطلحات شعبية

المرضي يرصد يوميات فلاح في حراسة مزارع الذرة قديماً في الباحة وعسير
تنومة سعيد معيض  في وصف دقيق لأحد أيام الخريف في الماضي، وما يقوم به الرجل في سبيل حراسة مزرعته من هجمات العصافير التي قد تقضي على محصول الذرة الموسمي أو على جزء منه مما يسبب للفلاح خسائر كبيرة قدم القاص سعيد صالح المرضي قصة " الحميصة" التي تعد في حقيقتها وصف دقيق لأهم ما كان يقوم به حارس المزرعة في جنوب المملكة في الماضي خلال اليوم بكل ما فيه من فرح وألم ، لذة ومعاناة .

الحميصة هو اسم تلك القرية الواقعة في منطقة الباحة ، وما كتبه المرضي نثر يوصف عبق الماضي، فإلى هذا التوصيف الحاذق لشيء من تراثنا الجميل.

أوقد ناره ، ثم افترش الرصيف ، وبمهفته السعفية اخذ يداعب شعلة ضئيلة تلوح خجلى في أفق الموقد ، ما إن تتطاول قليلاً حتى تتوارى خجلاً بين الفحم الأسود، التقط كوز ذرة تدحرج بعيدا عن رفاقه ، وهو يستحثهم على الهرب من تلك المصابيح التي تتطاير منها الشعل ، ثم أهوى عليه بيديه وجرده من كل ملابسه الخضراء ، وألقاه في أتون جمره الأحمر المتّقد ، سرح بعيدا بنظره إلى خلف أفق الذكريات حيث كان يعتلي ذات مرة منصة الحراسة ( السهوة ) الخشبية المقامة على أعمدة من خشب العرعر وسط حقل الذرة ، كانت النسائم تسلب ألبابه وهي تداعب أعواد الذرة الممشوقة فتدعها تتمايل يمنة ويسرة وتجعل منها أمواجا خضراء متتابعة تغدو وتجئ ، فتذيب حنايا فؤاده المتحجرة ( اليابسة ) فيطلق صوته لنسائم الصَبَا بأغنية جبلية معبأة بالأحزان وممتلئة حتى الثمالة بالهموم

من اين ياجيك الرضى يا شايل الهم

كيف ترضى وأنت مهموم

والهم لا علق بقلب إنسان فضه

سمسمه وابدى جروحه

يروح من بين العرب مسموم حاله

تسامعت سيقان الذرة بالصوت السابح في فضاءات الأشجان فانتشت طربا واشتعلت رقصا

كان صاحبنا يغني للريح والحقول وأكواز الذرة وبعض فتيات الحي اللاتي توارين وتناثرن في مزارع الذرة ، وما أن دغدغ الصوت سمع إحداهن حتى رفعت رأسها المغطى بالشيلة السوداء ( وشاح ) ليحيط بوجه قروي حنطي ذي جمال طبيعي أخّاذ ، ومعصوب بمعصب أخضر اللون فتغدو الألوان متمازجة في تناسق عجيب ، نصبت قامتها التي تشبه مطرق الشوحط تتحسس مصدر الصوت الشجي الذي حملته الريح إليها .

أصغت ( نهى ) بكل أحاسيسها ومشاعرها لتلك الكلمات الشجية المتسللة إليها، وقد أسرها جمال الصوت السابح فوق أمواج الذرة

ألقت بمنجلها جانبا ووضعت خصلة من البرسيم كانت بيدها فوق طرف شرشفها الأبيض وراحت تنصت ( للطرق ) بكل جوارحها ، فقد تملك وجدانها واستحوذ على مشاعرها وأنساها ما حولها فغدت معه في عالم آخر

ولحسن حظها فقد كان ( فلج ) البرسيم الذي تجلس فيه محاطا من كل الجوانب بسيقان الذرة الممشوقة مما هيأ لها معايشة الصوت في خلوة وأمان دون أن تقع عليها العيون وهي متلبسة بحالة بوح وشجن ذاتي ، انقطع الصوت فجأة فأفاقت من شرودها وتلفتت يمنة ويسرة ولما لم تلمح أحدا تنهدت تنهيدة عميقة وحمدت الله أن لم يرها أحد.

وكان صاحبنا قد توقف عن الغناء لأن سارحة من ( الفرفر ) قد هاجمت طرف الركيب الذي يحرسه محاولة أن تجد غرة منه لتلتقط بعضا من حبوب الذرة من إحدى زوايا الركيب البعيدة غير أنه تنبه لذلك فتوقف مجبرا عن الغناء وتناول المقلاع ( المرْجَمْة ) وعبأها ببعض ( الكُبَابْ ) وأومأ بها فوق رأسه عدة مرات - كما يفعل رعاة البقر عندما يحاولون الإمساك بأحد العجول ثم أطلق أحد طرفي المرجمة لتقذف ما بها نحو ( عصافير الحقول ) لتولي هاربة قبل أن تصيبها كان صاحبنا طوال النهار من الفجر وحتى مغيب الشمس وهو منتصب تحت العشة يحمي الركيب من الطيور وبعض محبي التعديات وخاصة هواة ( الحميصة ) الذين يتحينون الفرصة تلو الأخرى للحصول على بعض ( عذوق الذرة ) الخضراء لشيها تحت إحدى أشجار الطلح أو العرعر النائية بعيدا عن أعين الرقباء ، وكذلك صاحبنا الذي كان يمد نظره نحو طريق البيت عندما يحين وقت الغداء يرقبه بانتظار ما تجود به صاحبة البيت من غذاء يسد به جوعه وحين تبطئ في ذلك أو تعدمه فإن الحميصة هي الحل المثالي والفوري الذي يملأ به معدته ويسكت بها دافع الجوع القوي .

وكما أوقفت العصافير صاحبنا عن الغناء فقد أفاقه احتراق كوز الذرة على رصيف المدينة وقطع عليه شريط الذكريات وأعاده ليمارس في حاضره شيئا من ماضيه .

http://www.alriyadh.com/2011/10/06/article673223.html
التعليقات 2
التعليقات 2
الترتيب بـ
الأحدث
الأقدم
الملائم
  • #1
    المغترب 08-11-1432 02:45 مساءً
    موضوع جميل ورائع في روعتك استاذ سعيد
  • #2
    علي خضر 08-11-1432 02:51 مساءً
    وصف جميل ورائع من قاص يمتلك من القدرة الأدبية ما يجعله يخرج لنا هذه المعزوفة التراثية الجميلة
أكثر  

طب وصحة

أمل جديد: دراسة أمريكية تكشف قدرة الزنجبيل على خفض سكر الدم وحماية القلب
/ 26 صفر 1447

أمل جديد: دراسة أمريكية تكشف قدرة الزنجبيل..

بأقل من ريال يومياً.. اكتشاف مذهل: الزنجبيل قد يصبح سلاحك السري ضد "القاتل الصامت"! ثورة في المطبخ.. دراسة أمريكية تكشف قدرة الزنجبيل على خفض سكر الدم وحماية القلب. وداعاً لمضاعفات السكري؟ الزنجبيل.. أمل جديد وطبيعي لملايين المرضى حول العالم.

صيام الـ24 ساعة: فوائد وخفايا تكشفها دراسات
/ 24 صفر 1447

صيام الـ24 ساعة: فوائد وخفايا تكشفها دراسات

جسمك في 24 ساعة صيام: مفاجآت مذهلة! ماذا يحدث داخلك عند الصيام؟ فيديو يكشف الأسرار. قوة الصيام: رحلة 24 ساعة داخل جسمك. صيام الـ24 ساعة: فوائد وخفايا تكشفها دراسات. تأثير الصيام على جسمك: شاهد بنفسك في 45 ثانية. الكيتوزية والالتهام الذاتي:...

النظام النباتي يقلل خطر السرطان بنسبة تصل إلى 45%
/ 23 صفر 1447

النظام النباتي يقلل خطر السرطان بنسبة تصل إلى 45%

كشفت دراسة علمية موسعة أجرتها جامعة لوما ليندا في كاليفورنيا، وشملت أكثر من 80 ألف مشارك في أمريكا الشمالية على مدى ثماني سنوات، أن اتباع نظام غذائي نباتي قد يقلل بشكل كبير من خطر الإصابة بأنواع مميتة..