×

اضغط هنا إن لم يقم المتصفح بتحويلك آليًا.
×

(يا بنتي)... الحب لا يأتي عبر الشاشة!

(يا بنتي)... الحب لا يأتي عبر الشاشة!



ابنتي العزيزة: أعلم انّك في مرحلة عمريّة حرجة... وأعلم معاناتك في عنفوان النضج والاحتجاج حيث تتعارك الطفلة والأنثى في جسد صغير واحد... وأعلم انّكِ (يا قرة عيني) كبرتِ ولم تعودي تحبي الهدايا ذات اللون الوردي فأنتِ أصبحت فتاة ناضجة(كما ترددين). ولا أدلّ على ذلك من مكوثك الطويل أمام المرآة للتأكد من زينتك وحسن تناسق الألوان. أعلم يا ابنتي كل هذا ولكنك لا زلتِ في نظري أيضا تلك صغيرتي التي تنتظرني خلف الباب لأناديها وأخرج لها قطعة الحلوى كلما عدت من سفري. أنتِ لم تكبري بعد في عيوني والدليل الآخر أنني لا زلت اشتري لك دمية "الدبة" وأحضر لك القصص الملوّنة. لا تظنين أنّي لم أستوعب الزمن وكيف عبرتِ كل هذه السنوات لتقفي أمامي اليوم ثائرة تتساءلين وتحتجين كيف أنّني لا أفهمك، بعد أن كنتِ تهددين الناس بأبيك الذي أشغلتِ الكون كله بالحديث عن سيرته وعبقريته. اعلمُ يا شمس حياتي أن هذا السلوك -الذي لن أغيره- يغضبك في بعض الأحيان ويرضيك في أحيان أخرى.

ابنتي العزيزة: أراكِ منذ مدّة لا تسمحين لأحد بلمس هاتفك (الجوال) أو الاقتراب من جهاز الحاسب الخاص بك، وألاحظ أن معظم أسئلتك هي في كيفية تأمين أجهزتك من عيون الفضوليين. صغيرتي الحبيبة: هذا حق لك وأجهزتك، وغرفتك سيبقى لها خصوصيتها واحترامها وهذا أمر لا جدال فيه ويعرفه أهل البيت كلّهم. أتذكرين (يا نور عيوني) كيف عنّفت أخاك حينما نقل معلومة خاصة وحسّاسة كان عرفها من جهازك النقّال في غفلة منك. تلك المعلومة أقلقتني كثيراً ولم أهنأ بعدها بنومي ولا شك أن لثورة أخيك ما يبررها ولكنني يومها رأيتك ابنتي الصغيرة التي تحتاجني إلى قربها كما لم تحتاجني في كل ما مضى من عمرها.

صغيرتي وحبة قلبي: إن شاشة الهاتف الجوّال التي قد تحمل لك المقاطع العاطفية، وربما الرسائل الرومانسية والقلوب الحمراء صباح مساء لن تشبع روحك ولن تملأ وجدانك سوى بالمزيد من الخيالات والأحلام التي سرعان ما تنهار لحظة أول مواجهة مع الواقع. أعلم أن حولكِ من يرين هذا تطوراً طبيعياً وسلوكاً عصرياً.. وأعلم أنّهن وأنّهم يصورون البنت التي لا تمشي في أزقة الإنترنت وتلتقط نثار حلمها بصور الجمود والتخلف. وأعلم أيضا أنّهن وأنّهم يتحدثون بازدراء عن كل فتاة لا تتسوّل الاهتمام ولفت النظر بعينيها وجوالها وحركاتها في السوق والمطعم والمقهى.

حبيبتي: قولي لهم إنّ من يتسوّل الحب والاهتمام في الظلام قد يجد من يبيعه (مقدماً) حباً مغشوشاً ولكن الثمن (المؤخر) لا يمكن تسديده إلاّ بأحزان بقية العمر. يا فرحة أيامي: لا تلقي بقلبك على قارعة الطريق فقد تبدأ مغامرة لذيذة وتنتهي مأساة مدويّة على كل الشاشات. اسمعيني (يا بنتي)... الحب لا يأتي عبر الشاشة!

قال ومضىلا تصدقيه) فمن يقطف الوردة لا يملك أن يعيد إليها النضارة.


مقال منشور في صحيفة "الرياض"
 0  0  7685
التعليقات 9
التعليقات 9
الترتيب بـ
الأحدث
الأقدم
الملائم
  • #1
    عمر آل عبدالله 10-07-1434 10:50 مساءً
    هذا لسان حال كل أب يرى طفلته الصغيرة وهي تتوارى عن الانظار وتواري شاشة جهازها مبحرة في فضاء لا آخر له . ان تربية الابناء في هذا الزمن المخيف اصعب من تربية الوحوش الضارية . ان هوس ما وراء الشاشة بات واقعا لا يمكن ان نغض الطرف عنه . نسأل الله ان يقي مجتمعنا من وجه التقنية القبيح . شكرا لك يا دكتور فايز على هذا البوح الهادف .
  • #2
    صالح حمدان 10-07-1434 11:54 مساءً
    مقالة رائعه واسلوب جميل وتسلسل منطقي للوصول الى الهدف المراد وبعث الرساله لمن تحب متظمنة التلميح دون التصريح والاامأة دون ا لبوح و لكن الا ترى معي ياسعادة الدكتور ان هذا الااسلوب والذي يوحي بغض الطرف في حين اخو الحبيبه اعلن رأيه صراحة وهذا امر مطلوب ومندوب وكم هي سعادتي كبيره عندما ارى هذا الشعورالرجولي وهذه الغيرة الجميلة والمحببةالى النفس الخالية من العنف والاامر مقطوع به يا سعادة الدكتور في القرآن والسنه فقدورد الضرب ولكن لمن نحب الزوجة والولد وهذا يشيرالى الاانكار لهذا السلوك وان كان بسيطا لكنه يتسع ويكبر كلما تغافلنا او اكتفينا بالنصح المبطن والغير الصريح والضرب المشار اليه ليس عقابا فالعقاب هو الجلد اماالضرب فمشروعيته على من نحب كاا شارة الى الرفض وعدم مشروعية هذا السلوك لاان التلطف في الخطاب يو حي بعدم اهمية المراد وان التربية الواجبه والمسؤولية الملقاة على عواتقنا تقول : وقسى ليزدجروا ومن يكو حازما : فاليقس احيانا على من يرحم - وتقبل احترامي وتقديري
  • #3
    عبدالله فهد 11-07-1434 09:07 صباحاً
    تتجاذب الفتاة في هذا الزمن تيارات عديدة لاتدري أيها تسلك ، ولانستطيع أن نحمل جهة دون أخرى مسؤولية فساد الذوق والأخلاق ، وإن كان الإعلام وراء كل شر مستطير ، لكن يبقى للأبوين الدور الأكبرفي إيجاد مصدات تجعل الفتاة تتعامل مع الصدمات العاطفيةبشيء من الثقة في النفس والقناعة التامة بأن ماتقدمه بعض القنوات ومواقع التواصل الاجتماعي من عفن تحت مسمى الفن ماهو إلاوهم وسراب ، على أن تبقى هذه الآية الكريمة ماثلة أمامنا " وكان أبوهما صالحا ".
  • #4
    د/عبد الرحمن بن هشبول 11-07-1434 10:18 صباحاً
    مقال جميل يلامس تفكير كل اب وقد كلفت ابنتي ان تقراه ( سلمت افكارك واناملك ايها الكاتب )
  • #5
    ابوحازم 11-07-1434 12:12 مساءً
    بارك الله فيك على هذا الطرح المميز ونشكرك على الحديث في هذا الموضوع الحساس والهام ونامل منك المزيد في هذا المجال للحاجة الماسة لذلك لكثرة الغزوالموجه لفلاذات الاكباد ولا سيما القوارير اكرر الشكر والتقدير للدكتور فايز ونرجو منك المزيد في هذا المجال وذلك لقلة من يتطرق لهذا الموضوع
  • #6
    بدر الطنيني 12-07-1434 12:48 صباحاً
    شكراً دكتور فايز .. مقال في منتهى الروعة والابداع بارك الله فيك وفي قلمك وأسأل الله أن يصلح لنا جميعاً الذّريّة وأن يكونوا من عباده الصالحين .
  • #7
    سعيد بن شويل ال حماد 17-07-1434 01:19 صباحاً
    رسالة رائعة بفلم رائع اتمنى ان تصل الى كل اب وام وفلدة كبد انه عصر هدا الجيل ووسائله التى لا نستطيع الوقوف امامها ولكن بالمراقبة والمتابعة والنصح فقط كفانا الله شر من فيه شر سلمت اناملك وصوب رائيك وحفظ الله لك نور عينيك واخوانها لك منى التحية
  • #8
    ابوكمال الشهري 17-07-1434 12:13 مساءً
    هذا مانحتاجه من مقالات تلامس مانحن بصدده ( شكرا لك يادكتور) وننتضر المزيد مع علمنا بإرتباطاتك0
  • #9
    ابومحمد 20-07-1434 03:01 مساءً
    عندما يجتمع الاحساس الصادق بالمشكلة مع الاسلوب المتتع في الطرح تكون النتيجة التأثير الايجابي الحتمي ، ان ما كتبه وصوره واخرجة الدكتور فائز يعد من اخطر المشكلات التى تواجه الاسرة السعودية وبالتالى فان القاء الضوء عليها بهذا الاسلوب بداية واعية للحل ، واعتقد ان الدكتور فائز كان يريد ان يقول اقتربوا من بناتكم ، عيشوا معهم ، شاركوهم افراحهم ومعاناتهم . اعتقد أن الدكتور فائز كان يقول لا نستطيع ان نغير سلوكهم الا اذا اشعرناهم بالحب ، واذا احسوا اننا نحترمهم ونحبهم ، وبالتالى حملت رسالته مضمون معرفي وقدمت باسلوب عاطفي وجداني ، وبالتالى كانت هذه الرسالة نداء مهذبا لكل الاباء والامهات متى ما ارادوا ان يقوموا الانماط السلوكية لابنائهم ،، واول مايجب الابتعاد عنه هو " السلطوية " في التعامل مع بناتنا، ولقد دهشت عندما قرأت لاحد المعلقين على هذا المقال وهو يقول " ولقد كلفت ابنتى ان تقراه" . الدكتور فائز في مقاله يقول اقتربوا وتوددوا وتواصلوا معهم بعاطفة وليس بتكليف وامر . بارك الله فيك دكتور فايز وحفظ بناتنا من كل سوء ، وأسأل الله ان يوفق الاباء لرعاية بناتهم خير رعاية ..
أكثر