• ×
عبدالله الخشرمي

الجهوة جغرافيا بلا تاريخ

عبدالله الخشرمي
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

أهمل الكثير من أبناء محافظة النماص -وخصوصًا المختصين بعلم التاريخ- تناول تاريخ ولاية الجهوة لسوء طرح الموضوع في الامسيات والندوات الفكريّة والإجتماعية والثقافية، وأماكن التجمعات بشكل عام، ناهيك عن أنه إذا وجد النقاش حول ولاية الجهوة التاريخية، فإن الذي يحصل يتمثل في حضور الجغرافيا وغياب التاريخ، لاسيما وأن معظم المتحدثين لا يعلمون شيئًا عن تاريخها، وأقصد بقولي هذا أنهم لا يعلمون شيئًا عن الوقت والإنسان في تاريخ الجهوة، وهذين المكونين هما المادة الخاصة بعلم التاريخ لا علم الجغرافيا.

ومن سوء حظ مثقفي محافظة النماص أنهم لا يملكون لجهوتهم نصوصاً في كتب التاريخ، ولا حقائق تاريخية أو آثاراً على أرض الواقع، وإذا وجدوا حقائق أو وثائق أو آثاراً بين يدي هذا المؤرخ أو ذاك وجدوها تاريخاً حربياً بعيداً كل البعد عن المظاهر الاجتماعية، ولا يعقل أن كل ما كان في ذاك الزمان يقتصر على فكرة النزاع والسيف، فمن المؤكد أن تاريخ الجهوة تاريخ يرتبط بالعلوم الإنسانية الأخرى، ويفيدنا في معرفة جوانب حياتية تاريخية مرتبطة بتاريخ المحافظة والمنطقة بصفة عامة، كالجوانب الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، ويفسر تاريخها الأحداث التي دارت منذ زمن تأسيسها البعيد وحتى اليوم.

هناك مقولة تقول: من لا تاريخ له لا حاضر له -هذه مقولة نؤمن بها أشد الإيمان- فالتاريخ للإنسان بمثابة الدافع الأول حتى يتقدم ويحرز شيئاً، والتاريخ البشري بشكل عام هو علم يعتمد على حقائق الماضي ويتتبع الأحداث، ويدرس ظروف السياق التاريخي ويفسره باستخدام منهج البحث التاريخي، الذي يعرف بأنه مجموعة الطرق والتقنيات التي يتبعها الباحث والمؤرخ للوصول إلى الحقيقة التاريخية، ويعيد بناء الأحداث كما كان عليه إنسانها وزمانها ومكانها تبعاً للمنهج التاريخي، وليس للأهواء، وهذا منهج يحتاج إلى ثقافةٍ واعية، وتتبعٍ دقيقٍ لحركة الزمن ودور الشخصيات التي تؤثر بصورةٍ مباشرة أو غير مباشرة على حقيقة النص التاريخي.

عن نفسي، حضرت إحدى الندوات التي تحدثت عن تاريخ الجهوة، وسألت المحاضر: أين تاريخ الجهوة؟ فأجابني: لا يوجد تاريخ للجهوة. فسألته ثانية: لماذا يتصارع المحاضرون عن الجهوة صراعاً جغرافياً حول موقع مسرح الأحداث بينما يحاضرون وهم لا يملكون أي رواية أو نص أو تاريخ زمني أو أثر يشير إلى الأحداث التي تجعل من هذه التضاريس الجغرافية التي نسميها الجهوة تاريخًا!؟ فأجابني: لا يوجد سوى أثر واحد موجود في متحف النماص وبعض النقوش التي كتبت في صدر الاسلام على صخور منقولة وثابتة لم يثبت لنا انتماءها لولاية الجهوة.

سألت جميع الحضور: عندما يخبرني أحدكم أن فلان من الناس سافر إلى مكة، ويخبرني آخر –منكم أيضًا- أن فلان موجود الآن في النماص وهذه صورته، فمن أصدِّق، هل أُصدق الخبر والنثر أم أصدق الأثر !؟ فأجابوا: بل تصدق الأثر. فقلت: نعم أصدق الأثر وهذه قاعدة علمية "الأثر مقدم على النثر والخبر" ويجب أن يكون التعامل مع تاريخ ولاية الجهوة من خلال الأدلة المشاهدة، والماثلة للعيان، والتي يخرجها للضوء علم الآثار بتنقياته وحفرياته، ويجب ارتباط المنهج التاريخي بمستويات النقد، وإعطاء الأهمية الأولية للسياق التاريخي في تأويل النصوص لأن هناك وثائق تاريخية لا تعبر عن حقيقة ما جرى من أحداث، لهذا وجب التركيز على النص التاريخي ونقده، فالحقائق والوثائق ليست في حد ذاتها تاريخًًا، وإنما هي شهادة تشهد على جزء من اللحظة التاريخية وقد تكون هذه الشهادة مزيفة.

أخيرًا؛ رغم العمل الجاد في إكتشاف تاريخ الجهوة إلا أن تاريخها لايزال مجهولاً عند الكثير من النماصيين، وأن الكثير ممن امتطوا صهوة الحديث عنها في المنابر والتجمعات اهتموا بالجغرافيا ولم يهتموا بالأنشطة الإنسانية لتلك الفترة التي يمكن استنباطها من الآثار، فهي الأساس المعرفي لصناع النهضة ومتخذي القرار في المحافظة والمنطقة على حدٍ سواء، لذلك نرجو العناية بتاريخها وآثارها لتكون لهم قاعدة صلبة ينطلقون منها حيثما شاؤوا، وهذه القاعدة لا تتعلق بالماضي، بل تتعلق بالحاضر والمستقبل، فكتب التاريخ تضع أمامنا مناظير عدة لفهم الوعي النهضوي القائم والذي سيقوم في المستقبل.

بقلم : عبدالله بن معدي الخشرمي

التعليقات ( 2 )

الترتيب بـ
الأحدث
الأقدم
الملائم
  • #1
    10-11-1439 03:13 صباحًا د. عمر العمروي :
    مرحبا بابي الحسن كاتب هذه الأسطر الصادقة والنابعة من شعور وأحاسيس صادقة .
    يا محب تقول :
    (( أهمل الكثير من ابناء محافظة النماص تاريخ ولاية الجهوة )).
    الحق والحق يقال انك صادق اذا كان قصدك الذين يحطون بالنماص ، اما اذا كان قصدك كل التابعين لمحافظة النماص من ابناء بني شهر وبني عمرو ، فهذا غير صحيح .
    انا أتكلم عن نفسي فأقول :
    لا بل لديه والحمد لله علم ذلك ولكن الذين لا يزالون يفرقون بين شهري وعمري هم الذين طمسوا او حالوا او كذبوا او يكذبون او يمنعون ظهور تاريخ الجهوة .
    والشاهد ما ذكرت في حديثك يوم سالت المتحدث او المحاضر فرد عليك قائلا : (( لا يوجد تاريخ الجهوة )) فأعدت السؤال له فأجابك :
    (( لا يوجد سوى اثر واحد موجود في متحف النماص ...الخ )).
    كان الاولى به ان يقول على حد علمه هو اما انه يجحد ذلك بالكلية فقوله ذاك من تجهيل الناس .
    ولعلمك وعلم كل ابناء النماص ان النقش الذي يوجد في متحف النماص انني انا الذي اكتشفه سنة ١٣٩٤ثم اصطحبت اخي الشيخ ابن ناشع الى موقعه لاطلعه عليه ونتخذ ما يلزم نحوه .
    فلما حضرت انا والشيخ محمد بن ناشع وجدنا صخرة النقش تكسر من قبل من لا يعلمون عن تلك النقوش شيئا .
    واني وهو اللذان حالا دون تكسيره وسعينا في جلبه من المكان الذي كان فيه الى متحف النماص ، بعد ان كسر الاحجار او الصخرة التي هو جزء منها بالنار واوقدوا عليها بالكفرات لتكسيرها والذي يعتبر النقش المذكور جزء منها.
    فلما صار الشيخ ابن ناشع مديرا للتعليم سعى مشكورا في إيجاد المتحف وجلب النقش الحالي وإيداعه فيه .
    انني اليوم يا محب اذا أردت الحديث عن تاريخ الجهوة لا استطيع ولا اجد الاذان الصاغية لما اقول باسباب الذين يفرقون ويغرسون العنصرية .
    فارجو ان يكون حديثك منصبا على أولئك الجهلة وحدهم .
    وفقك الله لهداه والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
  • #2
    10-11-1439 03:04 صباحًا د. ظافر آل حماد :
    ماشاء الله ...
    بارك الله فيك أبا الحسن ....
    مشكلتنا مع التاريخ العربي و الإسلامي كله استغراقنا في الجوانب السياسية والحربية حتى في قرانا الصغيرة تسأل أي منا لماذا بنيت هذه الحصون!؟ وتجد الإجابة حاضرة
    من الأعداء ... !!
    منهم الأعداء؟
    وتأتي الإجابة سريعة :القرية المجاورة ..!!
    الثقافة السائدة في الجاهلية هي ثقافة المدح والهجاء ... حتى جاء الإسلام فرسخ ثقافة أن نقول للمحسن أحسنت وللمسئ أسئت ... وتكونت ثقافة جديدة قائمة على اتباع الحق والدوران معه أينما دار والخروج من الإمعية الذاتية "لا يكن أحدكم إمعة "والعقل الجمعي ل " دور كايم " إلي قول كلمة الحق ولو على النفس ...
    ولكن يظهر أن الحنين لثقافة "الفخر والمدح والهجاء " عادت لتضرب أطنابها في فكرنا العربي القابع في ظل المكان والجغرافيا والعرق والشئ .... لتذكر بأبيات شعرنا المعروفة " وإن أنا إلا من غزيت إن غزت غزوت
    وإن تجهل غزية أجهل
    والبديل من ذلك أن نبحث عن الحقيقة مظانها ونعتقدها وإن خالفت أهواءنا وميولنا ....
    عندما تبحث عن تاريخنا العلمي والثقافي والديني والإبداعي تجد تصحرا في مصادره وذلك لاتجاه المؤرخين إلي بث ما يرغبه الجمهور "أهل ثقافة المدح والهجاء" وغض الطرف عن تدوين ما تلحظه العين وتسمعه اﻷذن ويحلله ويستقرؤه ويستنبطه الفكر ويبدعه في هيئة ابتكارات وصناعات وممارسات متجددة تعطي للحياة رونقها وجمالها وبهاءها ... وتحتاجه البشرية من أجل النماء والتطور والنجاح ....
    وبناء على ما سبق من سيادة منهج المدح والهجاء ومنتجات القص واللصق والتقليد توقفت عجلة الإبداع التي كانت قد انطلقت في القرون الأولى للإسلام ثم توقفت وبقينا نستجر بيوت الفخر والمدح والهجاء التي حافظ عليها الإنسان العربي من الإندثار وظل يكرسها في بنيه حتى اليوم ....
    كم نحن بحاجة لإعادة تأسيس وبناء رؤية علمية إبداعية قائمة على احترام الحقيقة والمعلومة والحكمة من أي كان ...!؟
    والخروج من أسر المكان والجغرافيا إلي روعة نشوة الإكتشاف ولذة الإبتكار ...
    والعمل الدائب سويا من أجل إبداع معرفي يعيد لنا منهجا علميا ناقدا تركناه ونحن أولى الناس به .
    ( على فكرة بالنسبة لولاية الجهوة فلنخرج من أسر الضيق إلي السعة فهي تشمل عند العواجي حتى تنومة كولاية كبيرة جعلتها أكبر من ولاية جرش )
    * أيضا للمزيد عن إبداعات تاريخنا الثقافي والحضاري يمكن الرجوع لكتاب " تاريخ الإسلام "
    ل حسن محمد حسن 4 مجلدات فيها من شواهد حضارتنا العلمية وجوانبها المشرقة في العلوم الطبيعية والطبية والفلكية والصحية والمعرفية على مدار القرون .

شاهد معنا

جديد المقالات

كي تحظى بمكانة عليا في مجمتع يجيد مفاهيم لعبة...


بواسطة : صالح بن حمدان

1- يا وزير النقل يا صاحب المعالي ، كبري عقبة...


بواسطة : عبدالله محمد الشهري

الكتابة معاناة وألم الكتابة معاناة حقيقية...


بواسطة : صالح بن حمدان

عندما يقدم شخص ما على قتل النفس البشرية فإنه...


بواسطة : محمد آل مخزوم

معظم المسافرين للخارج من ميسوري الحال، ما...


بواسطة : صالح بن حمدان

قال الله تعالى : ( الرجال قوامون على النساء بما...


بواسطة : محمد آل مخزوم

يعاني الشعب الفلسطيني من الشتات حتى في الداخل...


Rss قاريء