• ×
د. مبروك المسفر

زمن الخربشة و الطلاسم

د. مبروك المسفر
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
عندما كُنت أدرس في الصف الخامس الإبتدائي و بعد بدء السنة الدراسية بفترة وجيزة غادر مُدرس المُطالعة ( لغتي الخالدة حالياً ) هذه اللغة التي توشك أن تتكالب عليها اللغات و تُهملها الجماعات و تندثر مع وجود التقنيات و الروبوتات .... أقولُ ، غادر ذلك المُعلّم لأسبابٍ لا نعرفها فأنتظرنا حتى جاء آخر بديلاً له ، و في أولِ حصةٍ لهذا البديل معنا أخذ يطّلع على دفاترنا و يسألنا في قواعد اللغة فوجد العجب العُجاب ، فالكتابة لا تُقرأ و الإملاء لا يسر و القواعد لا شيء ( صفر بمقاييسه ) ، هُنا صُدِم المُعلّم و إحمرت عيناه و أخذ يرعد و يزبد و يتوعد و قال لنا : يجب من الآن فصاعداً أن تكتبوا كل درس نأخذه من دروس المطالعة عشر مرات ، و مع أننا كُنّا نكتب الدرس مرة أو مرتين مع المُعلّم السابق ، إلاٌَ أن هذه المُهمة الإضافية صدمتنا فالوضع المادي لا يُساعد على شراء دفاتر جديدة و الوقت أيضاً لا يكفي كوننا نقوم بمساعدة الأسرة بشؤون الحياة ، و لكن أمام إصرار المُعلّم و تعنته و الخوف من العقاب الذي كان ينتظرنا رضخنا لكل ما يطلبه منّا ، حتى أننا كُنّا نقرأ الدرس الجديد ثُمَّ يطلب منّا إعرابه جُملةً جُملةً حتى ينتهي ، فأصبح جُلَّ جُهدنا مُنّصبّاً على الكتابة و الإملاء و القواعد و بات همُّنا هو ذلك المُعلّم الذي تتكلم عصاه قبل لسانه ، و إستمرينا على تلك الحالة من الإبتلاء و المعاناة حتى نهاية العام ، و لكن ما إن إنتهت السنة الدراسية ( سنة الإبتلاء ) إلاَّ و قد تغيّر أداؤنا في اللغة و قواعدها إلى درجةٍ لم نكن نتخيلها ، حيثُ كانت سنة التحول الجذري في ( الكتابة ، الإملاء و القواعد ) و ذلك بفضل الله ثُمَّ بفضل ذلك الاستاذ القدير الذي كان يُركز على التأسيس السليم و على الكيف قبل الكم ، و مع العلم أننا لم نُنهي المنهج المقرر في تلك السنة إلاَّ أن تحصيلنا مما درسناه كان أهم و أجدى ... جزى الله ذلك المعلم خير الجزاء .
تذكرت ذلك المُعلّم و ما فعله معنا و أنا أطّلعُ على واجبات إبني المدرسية و أوراقه فلا أستطيع قراءة ما يخطه و يكتبه ، فالكتابة أشبه إلى حدٍ ما بالخربشة و أعمال الشعوذة و الطلاسم ، و قلتُّ في نفسي كيف يستطيع المُعلّم تصحيح واجباته و إختباراته و لكن لم أستغرب من هذا المستوى المتدني في مهارة الكتابة و سلامة الإملاء لدى الكثير من الطلاب ، فلم أذكر أن إبني و منذُ إلتحق بالمدرسة قد كُلِّفَ بكتابةِ أي نصٍ لغوي كواجب مدرسي لتحسين الخط و الإملاء لديه ، و أخشى من أن التساهل في التدرب على الكتابة و الإستخدام المتنامي للتقنية سيؤثر بالتأكيد على الأجيال القادمة فلا يستطيعون حتى الكتابة بالقلم على الورق .

وفقني الله و إياكم لما فيه الخير و السداد

مبروك المسفر

التعليقات ( 0 )

شاهد معنا

جديد المقالات

بواسطة : ابو فراج

قام العالم ولم يقعد لاختفاء كاتب أو صحفي وكأنه...


عندما بدأت نار الحقد والحسد والغيره تستعر في...


لعلني في مقدمة حديثي عن شموخ المملكة العربية...


وطني دوحة العز، ومنبع الشرف، ومهبط الوحي،...


بواسطة : صالح بن حمدان

عندما يكثر حسادك فاعلم أنك تسير على الطريق...


بواسطة : ابو فراج

نحمد الله ونشكره على أن وهبنا في مملكتنا...


سألني ذات مره أخي وصديقي الشاعر حسن محمد...


Rss قاريء

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 09:23 صباحًا الخميس 9 فبراير 1440.