• ×
عيسى بن سليمان الفيفي

ثلاث وعشرون سنة

عيسى بن سليمان الفيفي
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
ثلاث وعشرون سنة


نبيٌ أتانا بعد يأس وفترةٍ * * * من الرسل والأوثانُ في الأرضِ تعبدُ
فأمسى سراجاً مستنيراً وهادياً * * * يلوحُ كما لاح الصقيلُ المهندُ

" ثلاث وعشرون سنة " غيّرت وجه التاريخ ، وتغيّرت الأرض تغيراً جذرياً بمن عليها وتبدّلت أحوالها ، شيئاً فشيئاً حتى ساد فيها الأمن والرخاء والاستقرار والأخوة والمحبة ، لينعم الناس بدينٍ صحيحٍ قويمٍ يكون به أمنهم وأمانهم بعد أن عاشوا في هوان الجاهلية وذلّ قوانينها وظلم أعرافها القبلية .
في هذه السنوات " الثلاث والعشرون " بدّل الله تعالى بحكمته ضلالات أهل الأرض المنتشرة في ماضيهم المحرّف بدينٍ رضيه لهم (ومن يبتغِ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه) فقد اختار لهم هذا الدين العظيم وأنزل إليهم خير كتبه وأرسل لهم أفضل رسله , أصحُ العربِ عقلاً ، وأسدّ رأياً ، وأنقى فكراً ، وأطهرُ قلباً ، وأزكى رُوحاً ، وأكملُ البشرية سنَاً وعقلاً وفكراً وقلباً وجعل على يديه الخير والسعادة الأبدية لهذه الأمة ، وكانت هداية الناس على يديه فاتبعه من حوله .
في هذه السنوات " الثلاث والعشرون " وحدّ الجزيرة العربية دينٌ واحد لعبادة ربّ واحد ، يحجون لبيتٍ واحد ويقفون في صلاتهم وقفة رجلٍ واحد ، لملم شتات القبائل وأزال النعَرات القبلية السائدة بينهم وجعلهم أخوة متحابين كالبنيان المرصوص يشدّ بعضه بعضاً .
في هذه السنوات " الثلاث والعشرون " تطهرتْ مكة المكرمة من رجس الأوثان وأهلها وهدمت أصنامُ قريش وألغيتْ قوانينها وأعرافها إلاّ ما وافقَ دين الإسلام وجُعلت حياتهم هدراً إلاّ بحق الإسلام .
في هذه السنوات " الثلاث والعشرون " كان نصفها الأول دعوة إلى التوحيد الخالص لله تعالى وحده ونبذ كل شريكٍ معه "إني نذيرٌ لكم بين يدي عذابٍ شديد" ولقيَ الأذى من قومه وقرابته وعشيرته ، فاتهموه بالشعر والجنون والمرض والكهانة وقالوا له : " تباً لك سائر اليومِ ألهذا جمعتنا " وطردوه من مكة أحبُّ بلاد الله إليه ومسقط رأسه ووطنه الوحيد فخرج منها هائماً على وجهه إلى الطائف يستجير بقبائلها ليبلغ دين الله تعالى " من يمنعني لأبلغ دين ربي وله الجنة " فخاب ظنه فيهم فكذبوه ورجموه بالحجارة حتى أدموا قدميه وألّبوا عليه سفهائهم وغلمانهم ، قال " فلم استفق إلاّ وأنا بقرن الثعالب " عندما سألته زوجته رضي الله عنها عن أشدّ ما لقي من قومه .
فجاءه الفرج من الله تعالى بعد أن رفع كفيه إلى السماء يستجير بربه مما لقي ، ولكن نبي الرحمة ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان رحيماً في ذلك الموقف العصيب " لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله وحده لا شريك له " فحقق الله له ما تمنى .
وعاش حياته منذ بدأ الرسالة في مكة المكرمة يتيماً شريداً طريداً يستجير بالقبائل لحمايته ويتخفى بدين الله مع قلّة ممن تبعه ، ويتلقى أوامر الله تعالى ورسالاته ويسليه ربه بحال الأنبياء السابقين مع أقوامهم وأنه لن يحيد عنهم " أو مخرجيّ هم " وكان صامداً لا يلين لإغراءات كفار قريش وتهديدهم لأنه علم يقيناً أن الله ناصره مهما ادلهمت عليه الخطوب وضاقت به الأرض بما رحبت حتى قال : " والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الدين أو أموت دونه ما تركته " فخارت عزائمهم في إغرائهم له .
ورغم ما لقي من الأذى والعنت من قومه كان يدعو لهم بالهداية والمغفرة " اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون " وكان يقول " اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون " فاختار الله من قومه رجالاً لا يخافون في الله لومة لائم فدوه بأنفسهم وأموالهم وأبنائهم فجعلهم خيرة خلقه بعد الأنبياء وسخرهم لنصرة نبيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ واستقرّ الدين في نفوسهم وخالط أرواحهم .
في هذه السنوات " الثلاث والعشرون " بلغ عمره ـ صلى الله عليه وسلم ـ خمسون عاماً فجاءته معجزة من الله عظيمة ، اختصه الله بها دون غيره ، حيث تشرّف بمخاطبة الله تعالى من عنده لما أسري به وعرج به إلى السماء في جزء من ليلة واحدة ، وقريشٌ تمضي شهراً مصعداً إلى القدس وترجع شهراً منحدراً ، ووصف لهم بيت المقدس كأنه ماثلٌ أمامهم ، فهو بشرٌ مثلنا لكن الله اختصه بالرسالة والوحي والعصمة " سبحان الذي أسرى بعبدهِ ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى " وعاد إلى مكة يحملُ الصلوات المفروضة معه وبقي في مكة بعدها ثلاثُ سنوات يعلمها الناس ويبين لهم عظمتها عند الله تعالى وأنها الصلة العظيمة بين الله وخلقه وتفريق بين المسلم والكافر وعهده الموثوق .
ثم انتهت السنوات " الثلاث عشرة " الأولى من نبوته في مكة داعياً ومعلماً ومرشداً ومحذراً الناس ومبشراً لهم ؛ التي تخللها كثيرٌ من الأفراح والأتراح في حياته النبوية ؛ غير ما عاشه من المصائب قبل نبوته وبداية الوحي .
في هذه السنوات " الثلاث والعشرون " أتت المرحلة الثانية في حياته وهجرته إلى المدينة النبوية ، حيث أذن الله له بالهجرة إلى المدينة التي اختارها الله ليعيش فيها بقية حياته لتكون منطلق دعوته ورسالته ويموت فيها ، إنها طيبة الطيبة هاجر إليها مشياً على الأقدام مع صاحبه وخليله أبا بكر الصدّيق رضي الله عنه .
وليست سفراً من الأسفار ، بل رحلة عظيمة مشاها ـ صلى الله عليه وسلم ـ يحمل العبء الثقيل الذي ألقاه الله على عاتقه ، ويحمل المهمة الكبرى ، رحلة بدأت بـ " لا تحزن إنّ الله معنا " حيث انبلج بها الفجر وانتهى الظلام ، فكانت بداية الزحف المجيد على الكفر وأهله ، حيث غمر نصف المعمورة بهذا النور الإلهي العظيم وسيمتد إلى آخر الزمان ، ولما وصل المدينة بعد أيام طالت على أهلها وهم في ترقبٍ وانتظار طويل وفرحٌ شديد . . كما قال شاعرهم :
يومٌ يتيهُ على الزمانِ صباحه * * * ومساؤهُ بمحمدٍ وضّاءُ
فقد أمسى ذلك اليوم أفضل أيام الدنيا ، وأفضل أيام المدينة على أهلها واجتمع حوله الناس والرجال والنساء والأطفال ينشدون فرحاً بمقدمه وشوقاً لرؤيته ـ صلى الله ليه وسلم ـ لينزل تلك الليلة ضيفاً شريفاً بدار أبي أيوب الأنصاري الذي كتب الله أن يحضر ـ بَعدُ ـ حرب القسطنطينية وأن يموت في أبعد مكان عن المدينة ويدفن على ضفاف البوسفور ، ثم أسس له مسجداً في مَبْرَكِ ناقته القصوى ليكون نقطة بدايته ونشر دعوته ، ومكان اجتماعهم وتآخيهم وتآلفهم وتعليمهم لأنهم كانوا قبائل شتى وأمم متفرقة متناحرة فجعلهم أمة واحدة بفضل الله وحكمته "وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم" ، لأن رؤيته عليه السلام أن المسجد منطلق كل شيءٍ في الحياة ، فكانت نقطة التحول في التاريخ الإسلامي العظيم .
في هذه السنوات " الثلاث والعشرون " بدأت العشر الأخيرة من حياته ـ فداه أبي وأمي ـ عاش فيها أفضل أيامه ورونقها فكانت تحيطه الرجال المخلصة والسيوف المصلتة والرماح المجهزة والصدور المقدمة ، فاجتمع حوله الرجال من أفضل أصحابه وأكابرهم ، ثم تتابعت عليه بقية الشرائع والأوامر ، وعاش النصر المبين في غزواته وفتوحاته ، نصره وأصحابه في بدر ، ولقّنهم درساً في أُحُدْ لمخالفتهم أمر قائدهم ، وعاتبهم في حُنين لفرحهم بكثرتهم ، ونصره الله بالرعب مسيرة شهر وأعطاه الله الغنائم وأيّدَه المعجزات وفقدَ كثيراً من أصحابه ، وحزن على فقدِ عمه حمزة ، وأصيب برباعيته وشق وجهه واتهم في عرضه ـ صلى الله عليه وسلم ـ ونصره الله على اليهود الخائنين للعهود والمواثيق ، ونشر الله به الدين وأتم له الرسالة بين العالمين ، وأتت القبائل برجالها مسلمة طائعة لله ، واستتم نزولُ القرآن الكريم في هذه السنوات " الثلاث والعشرون " .
في هذه السنوات " الثلاث والعشرون " أكمل الله به الدين وختمه وارتضى لهم الإسلام ديناً إلى قيام الساعة ، وجعله الدين الخالد الذي لا يزول ولا يذهب أبداً مهما تداعت عليه الأمم وتوالت عليه الخطوب " اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً " وبعد أن توالت الانتصارات وأزهق الله الكفر وأهله والباطل وحزبه ، وانتصر الحق المبين بنصر الله تعالى ، وفرح المسلمونَ فرحاً شديداً بنصر الله ، ولكن آن لهذا الفرح أن يكتمل ويدوم ، وهيهات للبدر إن اكتمل أن يبقى بدراً ، فقد أمره الله تعالى بكثرة الاستغفار والتوبة وانتظار أمر الله إليه بالرحيل ، وخيّر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بين الخلد في الدنيا والجنة وبين لقاء ربه والجنة ، فاختار رسول الله لقاء ربه والجنة .
ولما اختار أن يلحق بالرفيق الأعلى أخبر أصحابه فبكى منهم من بكى وعم الحزن جنبات المدينة حتى أظلم فيها كل شيء ، وقبض يوم الاثنين بعد ثلاث وعشرون سنة مرّت من حياته ـ صلى الله عليه وسلم ـ عاشها نبياً رسولا ، فجثى عمر رضي الله عنه على ركبتيه يبكي فراق رسولِ الله بعد أن تلا عليهم أبا بكر الصديق " وما محمدٌ إلاّ رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل . . " فبلغ بهم الحزن مبلغاً عظيماً ، ووصل بهم أن بعضهم كذّب بخبر وفاته فعم الجزيرة حزنٌ من هول المصاب ، فإذا أصبت بمصيبة فتذكر مصابك بالنبي محمد ٍ فهي أعظم مصيبة مرّت على الأمة الإسلامية ، فتفرق بعض أصحابه في الأمصار ولم يطب لهم المقام بالمدينة بعد وفاة رسول الله نورها وضياؤها وبهجتها وسرورها وانقطاع وحيها وتوقف نزول آياتها .
فيعجزُ مقالي ويعجزُ قلمي أن يسطر حياةً كاملة وبطولة رجلٍ قام وحده لإصلاح الدنيا وقامت في وجهه الحروب الطاحنة ، وتنكر له العالم كله ومع ذلك تغلّب عليه ، وقد عجزتْ قبل ذلك كتبُ التاريخ في تسطيرها ، ولكن نحاول أن نذكر شيئاً مما نتذكره ونسطره بأقلامنا ليكون لنا شاهداً عند الله يومَ نلقاه .
فَبُورِكتَ يا قبرَ الرّسولِ وبورِكتْ * * * بِلاَدٌ ثَوَى فيهَا الرّشِيدُ المُســَدَّدُ
وَبُورِكَ لَحْد ٌ منكَ ضُمّنَ طَيّباً * * * عَليهِ بناءُ من صفيحٍ مُنَـــضَّدُ
تَهِيلُ عَلَيْهِ التَرْبَ أيْدٍ وأعْيُنٌ * * * عليهِ وقدْ غارَتْ بذلِكَ أسْــعُدُ
لقد غَيّبوا حِلْماً وعِلْماً وَرَحمةً * * * عَشِيّةَ عَلّوْهُ الثّرَى لا يُوَسَّـــدُ
وَرَاحُوا بحُزْنٍ ليس فيهِمْ نَبيُّهُمْ * * * وَقَدْ وَهَنَتْ منهُمْ ظهورٌ وأعضـُدُ
يُبكّون مَنْ تَبكي السَّماوات يَوْمَهُ * * * وَمَنْ قدْ بَكَتْهُ الأرْضُ فالناس أكمَدُ
وَهَلْ عَدَلَتْ يَوْماً رَزِيّةُ هَالِكٍ * * * رَزِيّةَ يَوْمٍ مَاتَ فِيهِ مُحَــــمّدُ
فلنا أن نتخيل هذه السنوات " الثلاث والعشرون " ماذا تخللها من أمور عِظامْ ، فختم الله به الرسالات وجعله شاهداً على من قبله من الرسل عليهم السلام ، فمات وعمره (63سنة) صلى الله عليه وسلم ، وما نعيش فيه هذه الأيام من نعمة الدين من نتائج هذه السنوات " الثلاث والعشرون " التي جاهد فيها بكل ما معه حتى نصره الله ونشر به الدين القويم . . فالحمد لله أولاً وآخراً .

بقلم
عيسى بن سليمان الفيفي
13 / 2 / 1439هـ

المشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لاتمثل الرأي الرسمي لصحيفة (تنومة) الإلكترونية بل تمثل وجهة نظر كاتبها

التعليقات ( 0 )

شاهد معنا

جديد المقالات

بواسطة : صالح بن حمدان

لماذا نتباكى على لبنان؟!! لماذا نتباكى على...


بواسطة : سعيد معيض

رحمك الله يا ابا سامي في نهاية اسبوع عاصف...


مجتمع الواتس سأفتتح بتعريف الواتس، لأنه سيأتي...


بواسطة : محمد آل مخزوم

مواصفات قادة المدارس يا وزارة التعليم! أياً...


الى ابليس للعلم والاحاطه كل الامور تسير في...


بواسطة : ا. ناصر الشهري

بدون مقدمات.. بدون استعراض القصة وتفاصيل...


فقط إكسر قاعدة الوهم كل قسوة مرت في حياتنا...


Rss قاريء